دول مجلس التعاون كغيرها من الأمم مرت بجميع مراحل التطور السياسي كي تنتقل كنظام سياسي من دولة القبلية الى دولة المؤسسات بكل ما تحمله مراحل التطوير من صور واشكال.
انما لا يفوتنا ان ننوه بان مراحل تطور النظم السياسية في جميع المجتمعات ـ لا المجتمع الخليجي ان صح التعبير فحسب ـ لا يعني بالضرورة انها متزامنة مع مراحل التطور الاجتماعي السياسي، فلهذا الاخير شروط اخرى يقاس عليها، فالنظام السياسي القبلي تبنى فيه علاقة الحاكم بالمحكوم وفق اسس الروابط الاجتماعية التقليدية كرابطة الدم والعرق والدين والموالاة، وحين يتطور كنظام سياسي متحولا الى دولة بالمعايير السياسية العصرية لا يعني ذلك ان التعامل مع تلك الروابط الاجتماعية السياسية قد تطورت معه بنفس الدرجة، فحين تأسست المؤسسات السياسية في معظم الدول النامية (الدوائر والوزارات) كعنصر من عناصر التطور السياسي ظلت معايير تشكيلها هي المعايير الاجتماعية التقليدية، خاصة وان مجتمعاتنا تتبنى ما استحدث من شروط تأسيس الدولة المعاصرة دون انتظار استيفاء باقي متطلباتها الاجتماعية والثقافية، فليس هناك جهة ما تقيس تلك المتطلبات مثلما هو الحال مع النظم السياسية وتقرر ما اذا اجتزنا امتحان القبول السياسي ام لا!
فاذا اخذنا في الاعتبار ان امتداد حكم الفرد في النظام القبلي يمتد منذ توليه الحكم حتى زمن وفاته، فان ذلك يعني بقاء الشخص نفسه في موقع القرار ـ بما يحمله من اعراف اجتماعية سياسية تربى ونشأ عليها ـ باقيا على رأس العديد من مؤسسات الدولة ونظمها السياسية المتغيرة فاننا سنقدر الزمن الذي تحتاجه النظم الاجتماعية لتتغير (على سبيل المثال الوزارة الاولى التي تشكلت في البحرين من بعد الاستقلال دام بقاؤها اكثر من ربع قرن دون تغيير حتى ظننا ان تسمية ارض الخلود جاءت بسببها) وهذا هو حال معظم المجتمعات النامية التي وجدت نفسها في التاريخ المعاصر امام متغيرات سياسية متسارعة جرت بمعزل عنها اجبرت على تبنيها دون ان تترك لا للوقت ولا لعوامل التغيير الطبيعية ان تأخذ مجراها التدريجي وليست البحرين بالنموذج الشاذ او الغريب.
لذا فان معايير اختيار المعاونين في ادارة (الدولة) بمفهومها المعاصر بقيت هي معايير اختيار المعاونين في ادارة (الحكم) بمفهومها القبلي في حين ان الفرق شاسع بين ادارة شؤون الحكم وادارة شؤون الدولة (فالاعتراف) بالحكم وبالتالي الولاء المطلق يأتي على رأس أولويات تلك المعايير القبلية حين اختيار معاونين الشيخ، وهو معيار لا يمس هنا مقاييس الولاء (للدولة) حتى نتحسس من طرحه لان مفهوم الدولة اصلا بشكلها المعاصر لم يتحدد (ذهنيا) ولا حتى (سلوكيا) بعد لا في اذهان افراد السلطة الحاكمة فحسب بل حتى في اذهان المحكومين (المواطنين).
دفعت المتغيرات السياسية الى تزايد حدة المطالبات بأحداث نقلة نوعية في الذهنية الاجتماعية السياسية وبالتالي في معايير التعيين، دافعين مؤسسات الحكم ان تبدأ بالتعامل مع المواطنين وفقا لمفاهيم الدولة العصرية المستقرة سياسيا، فيبدأ الاصلاح اولا بتقليص دور الحكومة المركزي الممتد والمهيمن على جميع اوجه الاقتصاد وجميع مؤسسات الخدمات، لترفع يدها وتتخلى عنها تاركة للمجتمع فرصة ادارتها وفقا لشروط السوق الحر حيث الكفاءة هي المعيار لانك تتحدث هنا عن رأس مال يبحث عن الربح، لا تتحدث عن حكم يبحث عن اعتراف حينها ستجد قيم المجتمع هي التي ستتطور بشكل سريع لتتواكب مع قياس مصالحه الربحية فلا نعود للنظر حين تعيين المناصب لهذا ان كان بدويا ام حضريا، لا من منطلق الاخلاق الحميدة والنوايا الحسنة، بل من منطلق الربح والخسارة الصرفة.
كاتبة بحرينية