لو ذهبت الى خلاء بعيد وتركت لفكرك ان ينطلق سابحا في السهوب المفتوحة ونظرت الى هذا المجتمع لرأيت ان افكارنا تعتمد على اللحظة وتردد من اللحظة. لذا كل مشاكلنا هي الهوة المهيلة بين اللحظة وانتظار ما سنقوم به متى ما ارتدت اللحظة. في يوم ما يأخذنا العزم على عمل شيء ومن ورائه قرار، ونتحمس له ونقوم بكل ما يلزم واحيانا اكثر مما يلزم لتطبيقه على ارض الواقع ثم نتحمس له حتى تغرقنا الحماسة ونحن نبحث في قاع البحر عن اللؤلؤة.. أي الهدف.. ولما نبدأ نوقن ان الغواص على وشك الغرق ندرك متأخرين اننا نسينا وسيلتين مهمتين كانتا كفيلتين (ببساطة) بإنقاذ روحه التي زهقت.. نسينا ان نحضر معدات الإنقاذ ونحن وسط اللجة.. ونسينا ان نعلم الغواص كيف يكون الغوص مميتا!
في اللحظات الاولى تأخذنا اذن الحماسة فلا تعود آذاننا تسمع، ولا تعود أعيننا تبصر، ولم يعد في ادمغتنا فسحة تتقبل تقليب الرأي والتمهل في دراسة الفكرة قبل فعلها.. فيخرج القرار طائرا مارقا ولا ندري هل هو سيطير في رحابة الاجواء أو انه سيرتد سهما بعد المروق.. وفي اللحظات الارتدادية لا يمكن التبصر في الفكر ولا التقليب في الرأي فالحدث الارتدادي الذي يحدثه النصل العائد الى الصدور يتفجر غبارا ودما يعمي البصائر ويورث شعورا بركانيا من الغضب والحيرة والحزن والخوف والترقب.. مثل ترقب الذي يسير في الظلام ويعلم ان طريقه ملئ بالاخاديد والالغام.. فالذي سيقود هنا الشعور، وليس التفكر، وهو الشعور المجبول من الغضب والانتقام.. وعمل أي شيء.
تغير حال الدنيا ونحن لانتغير مع تغيرها، فهمت ان النباتات والاسماك والاطيار تتكيف مع تغيرات الطبيعة وهي تغيرات تفاجئ غرائزها فاذا هي وكأن لها ادمغة مخبأة تتغلب على الظروف، بل احيانا تتحسب له لتكون جاهزة عندما يحل الظرف الجديد.. ونحن لا يمكن ان نعتمد على شعورنا وعلى هواجسنا.. هذه الهواجس والاشاعير والافكار المفتتة الصغيرة.. هذا التفكير الفسيفسائي هو الذي ستراه مكونا لجدارنا الزمني.. جدار من الفتات.. يدخل البناء ارض العمل وهو يعلم كل خطوة بناء من اول مسمار يدق الى آخر طوبة توضع ليكتمل البناء متجانسا متوائما باقيا متماسكا..
جاء الوقت للتفكير البنائي الذي تجلس فيه العقول جادة لتضع خطة البناء من اول مسمار الى آخر طوبة..
وإلا فتابع تأملاتك في الخلاء..