لاشك في أن قضية الإصرار الأمريكي- البريطاني على شن الحرب على العراق ابتداء ومن ثم قيام الحرب فعلياً وما خلفته من آثار سواء على الصعيد المحلي العراقي والذي كان أبرزه بلا شك "الفراغ السياسي" الذي تشهده العاصمة بغداد وغيرها من المدن الرئيسية العراقية الآن، أو على الصعيدين الإقليمي والعالمي من خلال الدور الذي قررت الإدارة الأمريكية أن تلعبه في العراق قد فجر مجموعة من أسئلة محورية تدور في مجملها حول أطر المستقبل للعلاقات الدولية، وبالتالي دور الأمم المتحدة في العالم في فترة ما بعد الحرب على العراق. لقد شكلت الأدبيات السياسية التي تناولت بالدراسة والتحليل مولد عصر ما يسمى بـ "النظام العالمي الجديد" الذي أعلن جورج بوش الأب ميلاده عقب عملية تحرير الكويت خلال تسعينيات القرن المنصرم، والتي اتخذت مسمى "عاصفة الصحراء" أطر التحليل السياسي لدور الدولة ( القومية أو الوطنية) المنتظر في عصر القطبية الأحادية بما في ذلك حدود سيادتها الوطنية، وبالتالي قدرتها على اتخاذ قرارها السياسي المستقل، إضافة إلى محاولة وضع التنبؤات حول الأطر العامة التي ينتظر لها أن تشكل الأوعية المحددة لشكل العلاقة في المجتمع الدولي وبالذات علاقة الولايات المتحدة بالوحدات السياسية الأخرى في العالم مع الأخذ بعين الاعتبار احتمالية أو " أمل" ظهور قطب- أو أقطاب أخرى- على الساحة الدولية تعيد التوازن لعلاقات القوة في العالم. وفي ظل هذا الجدل الأكاديمي كان من الملاحظ جداً أن الباحثين والمحللين السياسيين لم يعطوا لدور الأمم المتحدة القدر الذي تستحقه من الاهتمام باستشراف مستقبلها حتى جاءت الأزمة العراقية وما سبقها من جدل في أروقة مجلس الأمن الدولي حول مدى مشروعية القرار الأمريكي- البريطاني بشن الحرب على العراق، ومن ثم الدور "الباهت جداً"- ولن نقول الغائب حقاً- لها في مرحلة ما بعد الحرب لتطرح القضية بقدر كبير من الإلحاح. بداية لا أحسب إننا قد نقفز على جدران الحقيقة كثيراً عندما نؤكد ان أداء الأمم المتحدة خلال العقود التي تلت تأسيسها، وبالذات فيما يتعلق بدورها في القضايا العربية عموماً، وقضية الصراع العربي- الإسرائيلي على وجه الخصوص لم يكن ليرقى في يوم من الأيام لشيء من طموحات الأمة العربية. من هنا فلا غرو أن وجدنا بعض مفردات الخطاب السياسي العربي يصنف الأمم المتحدة غالباً ضمن " قائمة الأعداء" إلى الحد الذي جعل بعضاً من الساسة والمثقفين العرب يتساءلون عن مدى أهمية الوجود العربي عموماً في هذه المنظمة، ومدى ما يقدمه هذا الوجود من خدمة للقضايا العربية عموماً وبالذات بعد فشلها الملاحظ في قدرتها على أن تشكل "حائط صد قويا" في وجه مشروعات الهيمنة الأمريكية. لقد زاد الخطاب السياسي الأمريكي الذي لوح مراراً وتكراراً في البداية بتجاوز الأمم المتحدة ثم قرن الأقوال بالأفعال في النهاية من حدة هذه التساؤلات، مما جعل العالم يستدعي صورة النهاية المأساوية لـ " عصبة الأمم المتحدة" التي أنشئت عقب الحرب العالمية الأولى أملاً في دور بارز تلعبه في عملية توازن القوى، إلا أنها ما لبثت أن انهارت في مشهد مروع حزين عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية لا لشيء سوى أنها قد فشلت في أن تلعب دور "حائط الصد" في وجه الأطماع النازية والفاشية آنذاك. ان ما شهده العالم قبيل قيام التحالف الأمريكي- البريطاني- بشن حربه على العراق من قيام الولايات المتحدة بممارسة ضغوطها الشديدة على كل من كان يعارض منطقها "المنفرد" في حل الأزمة ثم قرارها الفعلي بشن حربها على العراق خارج إطار الشرعية الدولية جعل جميع المحللين يرددون بأسى مقولة" ما أشبه الليلة بالبارحة". أن هذه النتيجة لا تأتي من فراغ بقدر ما أفرزتها تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين. فبعد مطالبات الرئيس " جورج بوش الابن"، ووزير خارجيته "الجنرال باول" لمجلس الأمن بضرورة إصدار قرار قوي بشأن العراق بشكل تبدو معه المنظمة الدولية كما لو كانت جزءاً من الإدارة الأمريكية، جاء الدور على " بول وولفوينز" نائب وزير الدفاع الأمريكي الذي رد عن سؤال لهيئة الإذاعة الأمريكية حول عملية الانقسام الذي شهدها مجلس الأمن حيال موضوع العراق قائلاً: لقد " أصبح هذا الانقسام، ومن أوجه كثيرة، اختباراً للأمم المتحدة. وأرجو أن تنجح فيه. ارجو الا تضع نفسها في نفس الفئة التي صنفت عصبة الأمم نفسها فيها في الثلاثينات من القرن الماضي بأنها غير قادرة على تأدية الدور الذي ينبغي عليها أن تؤديه" مما يوحي بأن الولايات المتحدة قد اتخذت قرارها"و"قررت المضي قدماً في تنفيذه"حتى وان كان الثمن إصدار " حكم إعدام نهائي لا رجعة فيه على هيئة الأمم المتحدة". ثم جاءت فترة ما بعد الحرب التي شاهدنا خلالها الدبلوماسية الأمريكية تعطي للأمم المتحدة من خلال إصرارها على استصدار قرار من مجلس الأمن برفع العقوبات عن العراق دون أن يظهر للعيان أي دليل على أن العراق قد نزع أسلحته التدميرية الشاملة، وهو الغطاء الذي حاولت الولايات المتحدة التستر من ورائه ابتداء لشن حربها على العراق، ولا أعتقد أن الهدف الأمريكي يحتاج إلى تفسير لاسيما أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين تصر إصراراً عجيباً على عدم اعطائها اي دور في بغداد ما بعد الحرب إلا من ممثل شخصي للأمين العام بها وهو تصرف أشبه ما يكون بذر للرماد في العيون.
دمتم..
وعلى الحب نلتقي