عندما نكتب عن شخصية مهمة ومؤثرة مثل شخصية الشيخ الأديب أحمد بن علي آل مبارك فإننا لا نكتفي بسرد حياته وما واجهه من صعوبات في سعيه وطلبه للعلم وما قابل من شخصيات مهمة من السياسيين والأدباء والمفكرين وما تقلده من مناصب في الداخل والخارج وإنما يقتضى الأمر أن نسبر أغوار هذه النفس التواقة والقلقة التي ما إن تصل إلى ضفة معرفة إلا وتتطلع إلى ضفة أخرى وكأنها نفس فيلسوف قلقة لا تعرف الوصول ولا تؤمن بالنهاية ما دام فيها عرق ينبض فهي أبدا في رحيل وسفر خلف سراب المعرفة المطلقة، يقول الدكتور رضا سعادة عن وعي الفيلسوف (... إنما هو وعي قلق مضطرب لا يكتفي بما يتوصل إليه فيتابع أبدا بحثه عن الحقيقة ولا يتوقف) (الفلسفة ومشكلات الإنسان ص: 33) وجد الشيخ أحمد آل مبارك في بيئة محافظة رتيبة الحياة بعض الشيء يتماهى فيها التلميذ مع شخصية شيخه حد التطابق ونشأ في أسرة علمية تقدس العلم الشرعي وتقوم بتعلمه وتعليمه وافق ذلك ما يمر به العالم الإسلامي من انفتاح على الآخر المتمثل في الغرب والتوجس من الذوبان وفقدان الهوية كل هذه العوامل والظروف كانت إرهاصات لتفجر الموهبة التي كانت في حالة كمون لدى الشيخ أحمد بن علي آل مبارك. وعلى رأي (شكسبير) الذي قاله على لسان الملك (لير) : لا شيء يأتي من لا شيء. فإن الجرائد التي وجدها الشيخ أحمد في صباه والتي كانت تتخذها احدى قريباته وسيلة لحفظ الثياب وغيرها كانت الجذوة الأولى التي أشعلت فتيل المغامرة والبحث عن المعرفة في نفس (أبي مازن) لم يكن في خروجه على نسق أسرته وعلمائها ثائرا أو متمردا وإنما كان خروجه خروج الواثق بنفسه المعترف بحق أهله وشيوخه عليه كان مقدرا لخوفهم وتوجسهم من هذه الرحلة الخطرة بل المغامرة الكبيرة من فتى صغير السن لا أعدو الحق إن قلت: إن الشيخ أحمد آل مبارك أول بذرة حداثة كانت آنذاك في الاحساء لأنه غير من نسق الحياة في الأسرة والبلدة والانفتاح على الاخر كانت سمة واضحة في مسيرة الشيخ أحمد آل مبارك فهو انفتح على العراق ومصر وهو في حداثة السن وانفتح علىالآخر عندما فتح أحديته المباركية لكل قاصد للمعرفة في حين كانت المجالس الأدبية أو التجمعات في الاحساء مقتصرة على نخب بسيطة تتخذ من البساتين والمزارع مكانا لمسامراتها ومطارحاتها إن الأديب أحمد بن علي آل مبارك سهم اختارته كف الزمان من كنانة الأصالة فأرسلته - عبر قوس المثال - نحو المستقبل مخترقا حجب الحقب والأعوام ليستقر في ذاكرة الأجيال. طوى العلم والأدب في جبته وقال: ما في الجبة إلا هما!! خرج في صغره على أنساق مجتمعه الذي يقدم تربة الأحساء على كل غال ونفيس فغالب فيها وفي مجتمعه الشوق حتى غلبه وراح يتبع المعرفة ويقصدها كما يقصد الراعي مواطن الماء والكلأ إن قلت عنه: (برمثيوس الاحساء) فلأنه جلب جذوة المعرفة إليها يوم أن فتح مجلسه الأدبي لأبنائها من المثقفين والمبدعين. وإن قلت عنه (سيزيف الاحساء) فلأنه لايزال يدحرج صخرة الثقافة الأحسائية أملا في أن يوصلها إلى قمة المعرفة وهو في ذلك يختلف عن عبثية الأسطورة وإنما هو جهد دؤوب ينتظره مستقبل واعد إن شاء الله فأعز الله حكومتنا الرشيدة حيث قدرت هذا العلم الشامخ بأن كرمته وجعلته شخصيتها المكرمة لهذا العام من خلال مهرجان (الجنادرية) الثامن عشر. الشيخ أحمد يحفظ مقامات الحريري وكأنه راوية له ويستحضر أيام العرب في جاهليتهم وكأنه عاشها واصطلى بنارها وخاض حروبها ونادم ملوكها إن اسم أحمد المبارك سيظل ذكرى جميلة تتذكرها الأجيال وسيبقى لحنا عذبا تعزفه الحياة على أوتار أيامها ولياليها.
@@ صلاح بن عبد الله بن هندي