الأحد 20 جمادى الآخرة 1435 - 20 أبريل (نيسان) 2014
الرئيسية
الإعلانات
آخــر الأخبــار |
آخر الاخبار خادم الحرمين الشريفين يستقبل مدير جامعة الجوف آخر الاخبار ولي العهد يصل إلى جدة قادماً من الرياض آخر الاخبار تفعيل برامج الشراكة الطلابية بجامعة الملك سعود آخر الاخبار وزارة الحج تعلن وصول أكثر من ثلاثة مليون معتمر ورصد إلكتروني للقدوم والمغادرة آخر الاخبار المؤشر يصعد أعلى مستوى 9600 نقطة في أعلى إغلاق منذ 6 أعوام آخر الاخبار انطلاق فعاليات ملتقى "التعليم الإلكتروني في خدمة اللغة العربية" بجامعة نورة آخر الاخبار انطلاق معرض جدة لتطوير المدن والاستثمار العقاري رجب المقبل آخر الاخبار طبيبان سعوديان يفوزان برئاسة المجموعة العربية للطب التلطيفي وأمانتها آخر الاخبار شهادة الجودة العالمية "الآيزو" لجامعة طيبة آخر الاخبار الخدمة المدنية تدعو 182 مواطناً و324 مواطنة لاستكمال إجراءات ترشيحهم

الرئيسية > العدد الأسبوعي

الجامعة العربية «كيان آيل للسقوط».. كيف ننقذه؟


اتفق خبراء وأكاديميون على ضرورة وجود إرادة سياسية جماعية صادقة تدفع بالعمل العربي المشترك ، خاصة بعد أن تعالت الأصوات فى الآونة الأخيرة منددة بضعف العمل العربى المشترك وعدم فاعلية أهم رموزه، وهو جامعة الدول العربية. وأكدوا على أهمية تهيئة المناخ الضرورى لإصلاح العلاقات العربية-العربية، وزرع الثقة محل الشك والارتياب حتى تصبح جامعة الدول العربية أداة رئيسية وفاعلة للعمل العربى المشترك. «اليوم» تحاول الإجابة على هذا التساؤل من على مائدة نخبة من الخبراء و الباحثين والأكاديميين: كيف ننهض بالجامعة العربية لتصبح أداة فاعلة للعمل العربى المشترك؟، وكيف لهذه المنظمة أن تسهم فى رسم معالم مشرقة للأمة العربية؟

عوامل عديدة
بداية يقول الدكتور محمد منصور مدير مركز دراسات المستقبل التابع لمجلس الوزراء المصرى: لاشك أن غياب أو ضعف الإرادة السياسية اللازمة كان هو العامل المباشر والأساسى  الذى أدى إلى تواضع ومحدودية النتائج التى حققها العمل العربى المشترك، مضيفا أن أهم أسباب غياب الارادة السياسية الضرورية للعمل العربى المشترك والتكامل العربى يرجع الى عمق الشعور القُطرى فى الأقطار العربية، الذى يرجع  فى الواقع الى تطور تاريخى طويل، بدأت جذوره منذ فترة بعيدة، وتفاعلت فى ترسيخه منذ منتصف القرن التاسع عشرة عوامل عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. وتابع الدكتور منصور قائلا: لقد ساهمت فى تعميق القطرية والتجزئة فى الوطن العربى ، وبخاصة منذ السبعينيات عوامل أخرى اكتسبت خطورة خاصة ، لعل أهمها أربعة عوامل: أولها هزيمة  عام 1967 ، وثانيها: الحقبة النفطية، وثالثها: اتفاقية كامب ديفيد، ورابعها: المفهوم الجزئى المجزأ للأمن .
مرحلة خطيرة
أما الدكتور عبد الرحيم الشريف أستاذ العلوم السياسية بجامعة  أسيوط فيرى أنه لابد من التفكير فى إصلاح وتطوير الجامعة العربية لتصبح أداة رئيسية وفاعلة لدعم العمل العربى المشترك، مؤكداً أن النظام العربي يمر الآن بمرحلة من أخطر مراحل تطوره في ظل متغيرات عالمية وإقليمية ، أوجدت وضعاً جديداً في المنطقة، يشكل، خطراً داهماً على المصالح العربية، وبالتالى فإن التعامل الرشيد مع هذه الأوضاع يستلزم بالضرورة أن تتم إزالة كل الشوائب من العلاقات العربية - العربية، والعمل على تسويتها جميعاً، في إطار مسعى جاد لتنقية الأجواء العربية، بما يؤدي إلى تقوية أسس النظام العربي، ودعم مؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية.
ويواصل الدكتور الشريف حديثه قائلا: إنه لابد من خطوات جادة تجاه النهوض بالجامعة العربية لتصبح قاطرة العمل العربي المشترك، وأداته الرئيسية الفاعلة ومحوراً رئيسياً للنظام العربي‏، وبالتالى فلابد من إيجاد آلية جديدة في إطار جامعة الدول العربية لتعمل على تحقيق القدر الكافي من التنسيق بين هيئات ومؤسسات العمل العربي المشترك، حتى ما تم إنشاؤه منها خارج نطاق وإطار جامعة الدول العربية‏.‏
مواجهة التحدي
أما الدكتور حسن نافعة أسـتاذ الــعــلوم السياسية بجامعة القاهرة: فقد أكد أن الشكل الأمثل الذي يمكن أن يتم من خلاله تطوير النظام العربي، ومؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية، يجب أن يتأسس على طرح ما هو قائم وصياغة ميثاق جديد تماماً يكون بديلاً للميثاق الحالى، وهو الاتجاه الذي انصرفت إليه بعض الجهود السابقة لتطوير الجامعة العربية‏.‏ أضاف أنه لابد أن يتناسب هذا التطوير وعظم التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تواجه الوطن العربي وحجم التحديات الأخرى الإقليمية والدولية .
ومن جانبه يقول الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصرى الأسبق: لاشك أن هناك كثيراً من المبادرات والمقترحات التى طرحت لإصلاح جامعة الدول العربية ،ومنها ما اتخذ صبغة رسمية ومنها ما كان غير رسمياً، من أجل تفعيل دور الجامعة العربية فى  مواجهة التحديات الدولية والإقليمية الجارفة.
ويضيف الدكتور الأشعل قائلاً: لقد تقدمت مجموعة من الدول العربية، بالعديد من المبادرات والمقترحات مثل مصر ، اليمن، الأردن ، السعودية، قطر، السودان، ليبيا، و حملت هذه المبادرات كلها شعار تفعيل الجامعة وتطوير الأمانة العامة، بخاصة حيث تتكاثر التحديات الخارجية وتتعاظم الحلول العربية في مواجهتها ليبدو وكأنها تجتهد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في غمار العاصفة العاتية التي اجتاحت العالم كله بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001، واجتاحت المنطقة العربية .
أين الإرادة؟
أما الخبير والباحث فى الشئون السياسية الدكتور ناجى عبد الباسط هدهود وكيل معهد الدراسات والبحوث الآسيوية بجامعة الزقازيق: فيؤكد أنه على الرغم من تواضع النظرة العربية إلى جامعة الدول العربية، والاكتفاء بالنظر إليها على أنها أداة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، وتحقيق للتعاون بينها، إلا أنها يمكن فى حالة تطبيق المقترحات والمبادرات الساعية لإصلاح وتطوير وتفعيل منظمات ومجالس الجامعة العربية أن تقوم بدورها كأداة رئيسة للعمل العربي المشترك. ويرى الدكتور هدهود أن هناك قصوراً في التنسيق في العمل العربي المشترك، مازال يفتقر إلى الترابط والتماسك، حيث إن كلا من المنظمات العربية المتخصصة بالجامعة العربية ومجالس الوزراء العرب، وكذلك الأمانة العامة ، كل منها يعمل في شبه انفصال عن الكيانات الأخرى في الموضوعات الواحدة، وهذا يتطلب تطوير المنظمات والمجالس التابعة للجامعة العربية بحيث يكون المجلس على مستوى رؤساء الحكومات حتى يمكن تجنب إصدار قرارات لا يتم تنفيذها، وهذا المقترح سبق أن عرض في مشروع تعديل ميثاق جامعة الدول العربية في مطلع الثمانينات.
أما الباحث والمحلل السياسى السودانى محمد البشير فيرى أن تطوير وتفعيل دور الجامعة العربية إزاء الوضع الراهن عربياً وإقليمياً يتطلب أولاً توافر الإرادة العربية للعمل العربى المشترك، وهذا لم يتوافر إلا بتنقية الأجواء العربية وخلق مناخ صحي للعلاقات العربية-العربية. ويضيف قائلا: لقد آن الأوان أن تصبح الجامعة هي الأداة الرسمية الرئيسية للعمل العربي المشترك، وأداة لتحقيق الغايات المشتركة التي تسعى إليها الدول الأعضاء في الجامعة.

الجامعة العربية.. جمودُ أم تجميد؟
"نعيب ميثاق جامعتنا العربية والعيب فينا .. وما عيب لميثاقنا سوانا"..
هكذا جاء لسان حال عدد من الدبلوماسيين والخبراء الإعلاميين من المملكة والعرب، تعليقا على إشكالية هيكلة الجامعة العربية التي كثر الحديث عنها ولو بشكل موسمي مع كل أمين عام جديد وسرعان ما تتوارى عن الأنظار بحكم القضايا العربية المتلاحقة التي تفرض نفسها على السطح وربما خير شاهد على ذلك أن الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى ظل يستخدم ورقة الهيكلة وإعادة الغربلة باعتباره المهندس الذي يملك حل الشفرة لضمان التمديد له لفترة ثالثة، إلا أن قيام ثورات الربيع العربي جاء بما لا تشتهي السفن العربية، ومع تولي الأمين العام الجديد الدكتور نبيل العربي استعان بصديقه الحميم في درب الدبلوماسية الأخضر الأبراهيمي وتكليفه برئاسة فريق لإعادة هيكلة الجامعة العربية وكانت الآمال معلقة عليه في إنجاز الملف إلا أن ظهور الملف السوري على السطح طغي على ما دونه من ملفات بما فيها الهيكلة والغربلة، لتبقى القضية على الرف.. (اليوم) استطلعت الآراء في هذا الملف:
مولود معاق
من جانبه قال توفيق العلاف، مدير وكالة الأنباء السعودية بالقاهرة، إن ميثاق الجامعة العربية قد ولد معاقا إذ قد جاء في عمومه دون مستوى الطموح المنشود متى تمت مقارنته بما تم الاتفاق عليه من مبادئ وأهداف في بروتوكول الإسكندرية عام 1944،  وحتى نقرب الصورة إلى الأذهان بشكل مباشر ونظرنا إلى الميثاق لرأينا أنه  قد أسقط من نصوصه ما ورد في البروتوكول خاصة فيما يتعلق بتقييد حرية أية دولة عربية في القيام بانتهاج سياسة خارجية تخالف سياسة الجامعة أو تصطدم معها صراحة،  باعتبار أن التنسيق في نطاق السياسات الوطنية هو الممر الآمن والمدخل الحقيقي نحو الوحدة العربية، موضحا أن كثيرا من الآراء نظرت إلى ميثاق الجامعة العربية بأن قد شابه كثيرا من أوجه العوار والقصور مقارنة بغيره من المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية خاصة فيما يتعلق بالوسائل التي قررها لتسوية المنازعات الدولية سلميا، بينما نجد على الجانب الآخر فإن الجامعة العربية وقفت محلها سر دون عملية التطوير خاصة ما يتعلق باستحداث أساليب جديدة في مجال التسوية السلمية للمنازعات وتعزيز السلم والأمن العربيين.
الإشكالية الحقيقية
من جانبه أكد محمد بن علي المشعل رئيس مجلس إدارة إحدى القنوات الفضائية لذوي الاحتياجات الخاصة أن الكلام قد كثر عن إشكالية إعادة هيكلة الجامعة العربية بعد مرور عقود طويلة منذ تأسيسها، موضحا أنه من الخطا اختزال القضية في مجرد الحديث عن إعادة تعديل صياغة لا يمكن اختزالها في مجرد الحديث عن الميثاق، بقدر ما نحتاج إلى وقفة مع الذات العربية خاصة عندما ننظر إلى التجارب الناجحة للمنظمات والتكتلات الإقليمية المماثلة رغم عدم توافر ما لدى الأمة العربية من قواسم مشتركة كثيرة تجمعها سواء اللغة أو التاريخ والحضارة أو غير ذلك، الأمر الذي يعني بوضوح شديد أن المعضلة الرئيسية تكمن في أحد أمرين قد لا يكون هناك ثالثا لهما: إما أن هذه الطاقات غير مستخدمة أو أن يساء استخدامها، بمعنى أنك تستخدم أسلوبا معينا لا يؤدى إلى الهدف الذي أنت تريد أن تحققه، داعيا إلى ضرورة تجنب النظر إلى نصف الكوب المملوء والتركيز على النصف الفارغ فحسب، بمعنى آخر أن العالم العربي إذا كان يعاني من عناصر فشل وسلبية ، فلا شك أنه يتمتع بكثير من عناصر النجاح والقوة، ويبقى علينا كيفية توظيف ذلك وحسن استعماله حتى لا نلوم أنفسنا في نهاية المطاف.
التعديل ليس بدعة
من جانبه قال كمال أدهم المستشار الإعلامي للمنظمة العربية للتنمية الإدارية إن الحديث عن تعديل ميثاق جامعة الدول العربية أو ما بات يعرف بـ "الهيكلة أو الغربلة " ليس بدعة ولا رجس ينبغي اجتنابه، فإرادة التعديل تتوافر منذ إعلان تأسيس العمل العربي المشترك وصياغة الميثاق في الثاني والعشرين من مارس عام 1945، حيث تنص المادة 19 بأنه "يجوز بموافقة ثلثي الأعضاء تعديل الميثاق" وإن ظل هذا شكليا، لكنه يعكس وجود رغبة التعديل كانت موجودة من البداية.
وأشار إلى أنه مما يؤخذ أيضا على ميثاق جامعة الدول العربية، أن صياغته في عام 1945 جاءت غير مكتملة النمو، حيث كانت أول تجربة مؤسسية للعمل العربي، وفي أعقاب "بروتوكول الإسكندرية"  الذي صدر عن "اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام" التي كانت تتشكل آنذاك من وفود عربية رسمية، شارك فيها رؤساء حكومات عربية لتكون بذلك ، الأمر الذي يعني أنه لم يتيسر  لها الاستفادة من تجارب الآخرين، وكل ما تأثرت به مبادئ وأحكام عهد "عصبة الأمم"، التي كتب العالم شهادة وفاتها بعد فشلها في تسوية النزاعات وشهد العالم نشوب الحرب العالمية. واختلف الحال بالنسبة لكل من منظمة الدول الأمريكية التي جاء ميثاقها بعد فترة كافية من النضج عبر ثمانية مؤتمرات أمريكية نشأ خلالها هيكل عام للتعاون الإقليمي إلى أن اكتمل هذا البنيان بميثاق للمنظمة في المؤتمر التاسع. كما نشأت الجماعة الأوروبية نتيجة لعملية اندماج لثلاث منظمات مختلفة، بعد أن بلغت درجة متقدمة من التطور والتعاون فيما بينها. وأيضا استفادت منظمة الوحدة الأفريقية من التجارب التنظيمية القائمة عند إنشائها، سواء تجربة ميثاق الدار البيضاء الأفريقي الذي تم توقيعه عام 1961، أو ميثاق اتحاد الدول الأفريقية الذي أنشئ عام 1959.
نفوس لا نصوص
من جانبه أكد عبداللطيف العوضي الوزير الكويتي المفوض بالجامعة العربية بقطاع الإعلام، أن الحديث كثر مؤخرا حول دور الجامعة العربية، وميثاقها، ولاسيما بعد التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وضرورة القيام بعملية هيكلة للجامعة العربية، موضحا أن آفة العمل العربي لا تكمن في صياغة الميثاق، وإنما تكمن في غياب "الإرادة السياسية"، حيث الفجوة الواضحة بين الأسباب الدافعة على سبيل المثال للتكامل أو الوحدة الاقتصادية وبين حجم الانجاز الذي تحقق على أرض الواقع، ويكفي للتدليل على ذلك إنه منذ الاتفاق على ميثاق الجامعة العربية عام 1945 صدر عن مجلس الجامعة العربية أكثر من أربعة آلاف قرار، وتم التصويت على 80 بالمائة منها وفقا لقاعدة الإجماع، ومع ذلك فإنه لم يتم تنفيذ معظمها، مما يدلل على أن "العبرة بالنفوس لا نصوص" .
قال العوضي: إن الجامعة العربية ومؤسساتها، وحتى أمانتها العامة، تعرضت لانتقادات شديدة، انطلقت دعوات مطالبة بإصلاح الخلل في الجامعة ومؤسساتها وميثاقها، مع أنهم أغفلوا حقيقة هامة التي تتمثل في أنه قبل أن يتم الحديث عن تقييم الجامعة يجب أن يتم تقييم النفوس، لأن هذه الجامعة يتوقف نجاحها في النهاية على فشلنا ونجاحنا في التعامل.‏
وأوضح العوضي أنه إذا استعرضنا تاريخ الجامعة العربية نجد وقائع الفشل والقصور وأسبابه لا ترتد إلى الجامعة وحدها، وإنما إلى النظام العربي بكامله، وإلى تكريسه المصلحة القطرية وتغليبها على المصلحة القومية، وتبقى الجامعة كمرآة تعكس واقع الدول الأعضاء فيها، ولا تستطيع تجاوز هذا الواقع بتناقضاته واشكالياته التي أدت إلى الحالة الراهنة التي تتسم بانحسار الوعي القومي والتضامن العربي والاحتماء بالقطرية، ومن ثم رأينا بروز دعوات مثل "الشرق أوسطية" كسوق إقليمية مشتركة أونظام إقليمي.‏
غياب الإرادة السياسية
من جانبه قال السفير عبدالملك المنصور مندوب اليمن السابق لدى الجامعة العربية، إن إخفاق جامعة الدول العربية في تحقيق بعض الغايات المتوخاة لم يكن بسبب صيغة الميثاق فحسب، بقدر ما يرجع إلى جملة من الاعتبارات والأسباب التي تكمن في غياب الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء، التي تعزف عن دفع مسيرة العمل العربي المشترك، من خلال المبالغة الشديدة في التمسك بالمفهوم التقليدي للسيادة الوطنية وهو المفهوم الذي لم يعد يصادف قبولا، خاصة في ضوء التطورات الراهنة وما يشهده النظام الدولي من ثورة معلومات واتصالات.
أضف إلى ذلك أنه على الرغم من أن إنشاء الجامعة جاء تتويجا لحركة المد القومي العربي منذ بدايات القرن العشرين ، إلا أن مشروع الوحدة الذي تمت صياغته رسميا في الميثاق الحالي للجامعة قد جاء ضعيفا، ويكفي أن الاشارة إلى أن مجلس الجامعة ليس بوسعه - من الناحية القانونية - أن يصدر أي قرار مهم إلا بإجماع الدول الأعضاء كما تنص عليه (المادة السادسة من الميثاق)، وهذا يعني أن كل دولة عربية عضو في الجامعة تعتبر متمتعة بحق "الفيتو". وبالتالي رأينا العديد من القرارات التي أصدرتها الجامعة - وبإجماع الدول الأعضاء - لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي، الأمر الذي أدى إلى ظهور تيارات فكرية متباينة بعضها يتهم الجامعة أنها فشلت في تحقيق أهدافها وأن بقاءها على وضعها الحالي يعتبر عقبة أساسية في سبيل إقامة مشروعات أخرى للوحدة العربية أو للعمل العربي. كما أن ضرورة تصفيتها من أجل تأسيس كيان جديد يكون أكثر قدرة على مواجهة احتياجات الشعوب العربية وتحقيق آمالها والاستجابة لتطلعاتها المشروعة، وهؤلاء يستشهدون بالعديد من السوابق التاريخية في العمل الدولي التي تم فيها تصفية منظمات دولية قائمة واستبدالها بمنظمات دولية جديدة، كما حدث في عصبة الأمم التي زالـت رسميا عام 1946 بعد أن حلت محلها منظمة الأمم المتحدة، وأيضا منظمة الوحدة الأفريقية التي أنشئت في عام 1963 لتحل محل العديد من التنظيمات والتكتلات الأفريقية التي كانت موجودة حتى ذلك الحين.
في حين ينادي البعض الآخر بضرورة الابقاء على الجامعة، بغض النظر عن كل المآخذ التي تؤخذ عليها معتبرين ذلك أفضل بكثير من تصفيتها، وذلك لأنه ربما يكون من غير المؤكد - في ضوء الحالة الراهنة للعلاقات "العربية - العربية" أن تتفق الدول العربية على صياغة تنظيمية أخرى أفضل من الصياغة الحالية، وهناك تخوف لدى أنصار هذا الرأي أن يكون البديل عن الجامعة - في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة - هو المزيد من الانقسام والتشرذم العربيين. وأما أصحاب الرأي الثالث فإنهم ينادون بوجوب المبادرة فورا وبجدية إلى العمل من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، عبر تعديل الميثاق على نحو يكفل لهذه المنظمة القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة، وهؤلاء هم الأكثر واقعية والأقرب إلى المنطق.

«الجامعة» بعيون عربية: مبنى.. وأعباء دون إنجازات؟!
قلل مواطنون عرب، من أهمية دور الجامعة العربية في التعامل مع الواقع العربي المتشرذم حالياً، واصفين دورها بالفاشل في مواجهة التحديات، رغم مرور أكثر من نصف قرن على تأسيسها.
وقالوا إنهم ملوا من الجامعة العربية، معربين عن أملهم في إمكانية انتشالها، والارتقاء بعملها لتوازي المنظمات الدولية الفاعلية، ومنها الاتحاد الأوروبي مثلا الذي نجح في توحيد أوروبا المختلفة اللغات والقوميات في كيان سياسي واحد أصبح له اعتباره.
واستغرب المواطنون عدم قدرة الجامعة على حسم موقف سياسي واحد على الأقل، تجاه ما يشهده العالم العربي من أزمات، بدءاً من قضية فلسطين المحورية، ومروراً بما يشهده الشرق الأوسط من نزعات وقلاقل. (اليوم) رصدت بعض الآراء، وكانت على النحو التالي:
من جانبه، قال عبدالباسط البطل، قاص وروائي مصرى،  إن جامعة الدول العربية عبارة عن مبنى يحتوى على أعضاء وممثلين للدول فقط، مضيفاً أنه يتصور ان الجامعة ليس لها دور على النحو الذى يضعها على قائمة الإنجازات، ويضيف أن الدور المتخاذل للجامعة موروث توارثه أمين الجامعة على أن يكون لها دور لاحقاً شريطة أن تتدخل الدول العربية عبر مندوبها الدائم وتملأ رغبات حقيقية تعكس الشارع العربي .
قرارات إلزامية
وفي ذات السياق، أشار مرعى أرحومة عمر، طالب ليبي يدرس بالقاهرة، انه أصبح لا يؤمن بدور الجامعة العربية فى حل القضايا العربية الهامة، مضيفاً أن الدول العربية لا تتفق حول أهداف عامة تخص كافة الدول العربية، كمعالجة اقتصاد الدول النامية والفقيرة والمصالحة التى تصب فى مصلحة العرب. واكد مرعي انه يطالب بتغيير ميثاق جامعة الدول العربية بالشكل الذى يجعل قرارات الجامعة ملزمة لكافة الأعضاء بدلا ممن يوافق على القرار فقط.
وأتفق معه فى الرأى ، هشام غاندى، المواطن المغربي، الذي أضاف ان جامعة الدول العربية ولدت ميتة ولم تقم بدورها المطلوب فى لم شمل القضايا العربية وتوحيد الصف العربي. ويتساءل غاندى لماذا لا تكون جامعة الدول العربية على غرار الاتحاد الأوروبي الذى يصنع قرارات الغرب. مضيفاً انه يتوقع ان نكسات العرب فى قضاياهم ستجعلهم يوماً ما يتحدون حتى تحقيق اهدافهم مجمعة بدلاً من مصلحة كل دولة منفردة.
حبر على ورق
ومن جانبها، قالت ليلي صلاح، مواطنة جزائرية، لـ(اليوم) إن الجامعة العربية لم تتحول برأيها إلى منظمة إقليمية فاعلة بالمعنى الشامل أو حاضرة في كل الملفات. مضيفة ان النقلة الحقيقية للجامعة العربية تحدث عندما تتخلص من الخضوع لمواقف دول بعينها وعندما تتصدى لكل الملفات والقضايا دون تمييز بنفس الجرأة وبذات الإيجابية ، فحسابات ومواقف ومساعي الدول الأعضاء لا تزال تستهدف المصالح الخاصة غير معنية لا بالمصالح القومية على المستوى العربي ككل ولا بمصالح دول أخرى  وإلا لقامت الدول الأعضاء على تحريك الجامعة ودفعها إلى اتخاذ مواقف قوية وإيجابية مشابهة أو حتى أقل من مواقفها تجاه ليبيا أو سوريا مثلا لمواجهة مجاعة أطفال الصومال أو لوقف العداون على غزة  أو حتى لمواجهة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها مسلمو ميانمار .
وأشارت ليلي، الى ان النفع سيعود عندما تلتزم الدول الأعضاء بما تتفق عليه بالتنفيذ على الأرض وليس فقط بالتوقيع على الورق. مضيفة انه ايضاً يجب ان تصبح الجامعة جامعة لكل العرب ليس فقط الحكومات قائلاً "للأسف فى جامعة العرب كل يغني على ليلاه وكل يبحث عن مصلحته".
محاولات التغيير
من جانبه، ترى سارة ترويجنى، صحفية تونسية، أن الجامعة العربية فقدت دورها فيما يسمي ديناميكية التحرك.
قائلة "إن الديناميكية تعنى سياسة نشطة مبادرة ترتبط برؤية تهدف إلي تحقيق تغيير ما في التفاعلات الاقليمية أو إلى خلق مسارات لتفاعلات جديدة من اجل احتواء السياسات المضادة او احباطها." وتضيف سارة أن الجامعة لا تتحرك وتبقى فى موقع رد الفعل، والمعضلة الاخرى فى ان سياسة الجامعة تميل إلى السياسات المحافظة التى تعمل على احتواء محاولات تغيير الأوضاع في المنطفة خاصة خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
وأضافت سارة، إن الجامعة فشلت فى حل قضايا جوهرية مثل القضية الفلسطينية، والصراع العرقي فى بورما، مضيفة أنه يجب على الانظمة العربية ان تتمعن النظر فى شؤون الجامعة وإعادة هيكلتها بما يتواءم مع مصلحة قرارات الدول العربية. وتتساءل سارة عن الخلل فى أداء الجامعة العربية . . هل يرجع إلى خلل فى النظام العربي الرسمي ام فى الجامعة العربية؟ وقالت  سارة، إن المشكلة الحقيقية تكمن فى السياسات العربية التى تحرص على تجنب مواجهة مشاكل المنطقة المعقدة وتغض النظر عن قضاياها المتعثرة وتتجاهل نزاعاتها المتفجرة في ضوء نزوعها الى التملص من مسؤوليتها العربية والتركيز على مشاكلها الداخلية.
بينما وصف سومر السعيد، مواطن سورى، جامعة الدول العربية بأنها فاشلة بكل المقاييس على صعيد الثورة السورية والقضية الفلسطينية. مضيفاً ان دور الجامعة يتلخص فى الشجب والاستنكار واصدرار قرارات غير فعالة والضحك على الشعوب العربية.

أخطر دراسة: الجامعة «موديل 1945» غير صالحة للتحرك فى شوارع 2012
في لقاء خاص معه بمكتبه قبل فترة أبلغني الدكتور نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية أنه منحاز بقوة لخيار تطوير الجامعة العربية باعتباره ضرورة فى هذا التوقيت, حتى يكون بمقدورها امتلاك المزيد من الفعالية فى التعاطي مع المتغيرات التى نجمت عن ثورات الربيع العربي، وقد سألته فى هذا اللقاء  بوضوح : ما منظورك لإعادة هيكلة وتطوير الجامعة العربية فأجابنى قائلا : «على وجه الإجمال فإن المفهوم الذى يحكمنى فى التعامل مع هذا الملف يتمثل فى ضرورة تمكين الجامعة العربية من مواكبة التحولات والتطورات التى يشهدها العالم الآن خصوصاً فى ظل التغييرات المتسارعة فى العالم العربى، وأنا أنظر - وفق التشبيه الشعبي - إلى ميثاق الجامعة باعتباره سيارة موديل عام 1945، وبالتالى لن يكون بمقدورها أن تتحرك فى شوارع 2012, فذلك معاكس لحقائق الأمور, وعلى الرغم من أن الدكتور العربى لم يشأ أن يكشف عن ملامح التوجهات المستقبلية لتطوير وتفعيل أداء الجامعة، إلا أننى أدركت أنه يسعى من وراء هذه العملية الى تلمس حاجات وضرورات موضوعية باتت تفرض تغيير الآليات التى تحكم حركة وفعل ومنظور الجامعة العربية حتى تقترب من ملامسة أشواق الشعوب، ولا تظل كامنة فى خندق الحكومات فقط، ولا شك في أن انبثاق ثورات الربيع العربي فرض تطورات ومعادلات جديدة على المنطقة بأكملها تستدعي ضرورة إعادة هيكلة الجامعة لتواكب المتغيرات الجديدة، وتصل إلى مصاف المنظمات الدولية الفاعلة الأخرى في حل القضايا التي تطرح عليها.
أخطر دراسة
من هنا تتجلى أهمية الدراسة التى أعدها السفير هانى خلاف مساعد وزير خارجية مصر للشئون العربية ومندوبها الدائم الأسبق لدى الجامعة العربية التى خص بها "اليوم" التى تعالج كيفية وآليات التطوير التى ينبغي القيام بها لإحداث نقلة حقيقية فى أداء وقدرات الجامعة العربية.
بداية يرى السفير خلاف أن تمسك الدول الأعضاء بالجامعة بمبدأ " السيادة المطلقة" و "عدم التدخل فى الشئون الداخلية" - مع وجود أسباب أخرى ووجود فهم خاص وغير ديمقراطى لهذه السيادة – قد أسهم - الى حد كبير - فى تواضع النواتج العملية لأجهزة الجامعة العربية بصفة عامة، وتحديدا فى بطء خطوات التكامل الاقتصادي واستمرار التفاوت فى معدلات التنمية ومستويات المعيشة بين الدول الاعضاء. كما أدى الى استمرار العديد من المشكلات السياسية والامنية على جداول الأعمال دون حلول ناجعة ويرصد فى هذا السياق جملة من الملاحظات :
أولها: من الناحية الاجرائية لوحظ تضخم عدد الموضوعات التى تخص دولا بعينها على جداول أعمال مجلس الجامعة ( كفلسطين والسودان والصومال والعراق وسوريا ولبنان والامارات وليبيا وجيبوتى وجزر القمر ) مقابل قلة عدد الموضوعات القومية المشتركة التى تتعامل مع القضايا الاستراتيجية الكلية والأخطار المستقبلية بمنظور جماعي كموضوعات الأمن القومي العربي والانتشار النووي واستراتيجيات التعليم والبحث العلمي.
ثانيا : حتى فى اطار معالجة الموضوعات التى تخص دولا بعينها – بناء على طلب هذه الدول – فقد لوحظ تحفظ بعض ممثلى تلك الدول على بعض المداخلات والفقرات التى تتضمنها مشروعات القرارات بسبب ما تعتبره مساسا بشئونها الداخلية وسيادتها الوطنية ( حدث ذلك فى البنود الخاصة بكل من العراق والسودان وحتى التطورات الفلسطينية).
ثالثا :  ورغم التوصل بعد سنوات عديدة من البحث والمناقشة الى صياغة ميثاق عربى لحقوق الانسان، فان الدول الأعضاء لا تزال تتمسك برفض أية آلية عربية لمناقشة أو تقييم الأوضاع الوطنية لحقوق الانسان والحريات العامة والأقليات باعتبارها من مسائل الشأن الداخلى رغم قبول أغلب هذه الدول آليات المتابعة والتقييم الدورى المعمول بها فى اطار الأمم المتحدة.
رابعا : تتمسك حكومات الدول الأعضاء بحقها فى قبول أو رفض مشاركة منظمات المجتمع المدنى والهيئات النقابية والمؤسسات الخاصة فى بعض أعمال الجامعة العربية وأجهزتها حسبما تراه تلك الحكومات من اعتبارات سياسية أو أمنية تخصها.
خامسا : تتجنب الجامعة ومنظماتها المتخصصة انشاء مشروعات أو مؤسسات ذات صلاحيات مشتركة تكون لها قدرة النفاذ داخل أراضى الدول الأعضاء أو يكون لها استقلالية ادارية ومالية بعيدا عن ولاية الحكومات، وتمثل "الأكاديمية العربية للعلوم البحرية" و " مؤسسة عربسات للاتصالات الفضائية" نموذجا يدل على أقصى ما أمكن تحقيقه فى هذا الاطار .
سادسا : يؤدى إعمال مبدأ "السيادة المطلقة" للدول الأعضاء فى تحديد شركائها التجاريين وعملائها الاقتصاديين الى كثير من الاختراقات لقرارات المقاطعة الاقتصادية الصادرة عن أجهزة الجامعة العربية الموجهة الى الشركات الأجنبية المتعاملة مع اسرائيل، ما يفرغ - أو يكاد – هذه القرارات من فاعليتها.
سابعا : رغم تعدد القرارات والاتفاقيات التى تم التوصل اليها فى المجلس الاقتصادي والاجتماعي وفى منظمة العمل العربية وفى مجلس وزراء الداخلية العرب بشأن حريات التنقل والاقامة وتنظيم تراخيص العمل وحقوق العمال العرب، إلا ان النص الوارد فى ميثاق الجامعة بشأن تنفيذ القرارات حسب النظم واللوائح المعمول بها فى كل دولة قد أدى عملا الى تعطيل تنفيذ الكثير من هذه الاتفاقات بحجج واعتبارات مختلفة بعضها أمني وبعضها اقتصادي أو مهني أو اداري.
ثامنا :  رغم ضعف الصلاحيات الممنوحة للبرلمان العربي المشترك الصادر بشأنه قرار من قمة الخرطوم 2006 فقد أصر العديد من الدول على تشكيل هذا البرلمان بطريقة تعكس ما سمته ( المساواة فى السيادة ) دون اعتبار لتباين الحجم السكاني بين الدول الأعضاء أو تفاوت الخبرات البرلمانية لديها.
تاسعا : وحين أصدرت قمة تونس فى عام 2004 وثيقتي ( العهد والتضامن ) ( والاصلاح والتحديث ) اللتين تعهد قادة وملوك ورؤساء الدول العربية فيهما – ولأول مرة – باجراء اصلاحات ديمقراطية معينة فى الحياة السياسية داخل الدول العربية، تحفظت ليبيا على الوثيقة الأولى باعتبارها تمس مبدأ          "السيادة" وحرية الدول فى اختيار نظمها ومناهجها السياسية، ثم عادت مع دول عربية أخرى ترفض فى عام 2005 الاقتراح المقدم من الأمين العام للجامعة العربية بتشكيل آلية لمتابعة ما تحققه الدول الاعضاء فى تنفيذها الوثيقتين، باعتبار ذلك المقترح يتضمن تدخلا من الجامعة فى الشئون الداخلية للدول الأعضاء.
عاشرا :  ومما يذكر ايضا ان رئيس دولة الامارات العربية كان قد طرح عام 2002 اقتراحا بتنحي الرئيس العراقي السابق صدام حسين عن السلطة لتجنيب بلاده والمنطقة ويلات الحرب التى ظهرت نذرها وشيكة، إلا أن عددا من الدول العربية رفضت هذا الاقتراح باعتباره تدخلا سافرا فى الشئون الداخلية لاحدى الدول الأعضاء وخرقا لمبدأ السيادة الوطنية المعمول به فى ميثاق الجامعة منذ تأسيسها، ثم كان ما كان من غزو أمريكي للعراق عام 2003 وتدمير دولته وتفتيت وحدته.
إصلاحات منقوصة
ويتوقف السفير هانى خلاف عند ما يراه إصلاحات منقوصة فى الجامعة، مشيرا الى أنه على الرغم  من فداحة الدرس العراقى فان الدول العربية لم تستوعبه تماما، وراحت تكتفي بتعديلات شكلية فى الحياة السياسية ظهر بعضها فى أعمال الجامعة العربية التى أصدرت قممها المتوالية فى أعوام 2004 ، 2005 ، 2006 ،2007 ، وحتى قمة سرت فى 2010 عدة قرارات ووثائق تحمل اشارات فضفاضة عن التزام جميع قادة الدول العربية             "بالديمقراطية" و "الشورى" و "توسيع المشاركة الشعبية" و "احترام حقوق الانسان " و "تمكين المرأة" و "حرية الإعلام" و "محاربة الارهاب" ، وبعضها يؤسس لآليات ومنظمات جديدة كالبرلمان العربى ومنظمة المرأة العربية ومجلس السلم والأمن العربى وآلية ادارة الخلافات بين الدول العربية، إلا انها جميعا قامت على نفس الأسس والمبادئ السابق تكريسها فى العمل العربى المشترك، ولم تستطع الخروج من الدائرة الضيقة التى يحددها الميثاق بمفرداته القديمة التى تعود الى منتصف القرن الماضى.
رؤية علمية
وتقدم دراسة السفير هانى خلاف رؤية علمية منهجية لكيفية تعامل الجامعة العربية مع الربيع العربي على النحو التالي :
ـ وحين اندلعت الانتفاضات الشعبية فى ست دول عربية بطريقة شبه متزامنة ابتداء من عام 2011 فوجئ الجميع بتحركات سريعة تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي التى راحت تدفع الجامعة العربية الى اتخاذ مواقف جديدة وجريئة تخرج بطبيعتها عن الاطارات القانونية والسياسية التى ظلت تحكم عمل الجامعة العربية لاكثر من ستة عقود ، التى شاركت نفس هذه الدول فى تكريسها وتثبيتها.
ـ ولأن الدول العربية ظلت – ولأكثر من ستين عاما – متمسكة فى علاقاتها البينية بمفهوم جامد وغير قومي وغير ديمقراطي لمبدأ السيادة المطلقة وخصوصية الشئون الداخلية، ولأن الجامعة العربية لم تكن مؤهلة أو مجهزة بالأدوات والخبرات للانقلاب فجأة على هذين المبدأين – دون تمهيد ولا تقنين – فقد جاءت معالجاتها لما سمي ظاهرة الربيع العربي حافلة بالكثير من وجوه التناقض والقصور والانتقائية وازدواجية المعايير ثم يورد بعض الملاحظات فى هذا الشأن :
 الأولى: ان تعامل الجامعة مع ظاهرة الانتفاضات الشعبية فى دول الربيع العربى تم بطريقة انتقائية وبغير أسس معيارية واضحة.
الثانية : إن الجامعة انطلقت فى قراراتها بشأن الحالتين الليبية والسورية من دوافع  سياسية محوطة باعتبارات انسانية مع تجاهل تام للأسس القانونية الحاكمة فى ميثاق الجامعة وفى عدة وثائق ومرجعيات عربية أخرى.
الثالثة : إن الجامعة سارعت بمنح غطاء سياسي لتدخل حلف الاطلنطي عسكريا فى الحالة الليبية دون تجريب أو استنفاد الآليات العربية الممكنة لتسوية الصراع وحماية المدنيين، ثم راحت ايضا فى الحالة السورية تناقض موقفها المبدئي المعلن.
الرابعة : تتعلق بطريقة البتر المتعجل ومنع ممثلي كل من ليبيا وسوريا من المشاركة فى اجتماعات الجامعة، وهو ما أدى الى افتقاد قنوات التواصل والضغط المباشر على كلا النظامين والى تغييب عنصر التوازن والتدقيق فى مصادر المعلومات المتاحة عن التطورات الميدانية والسياسية.
الخامسة : تتعلق بطريقة إدارة الجامعة العربية لآلية "الرقابة الميدانية" التى استحدثها فى إطار المبادرة الأولى، التى تعكس تواضع خبرة الجامعة بمثل هذه الأنشطة الميدانية الدقيقة، حيث لوحظ الآتي :
أ‌- تشكيل فــريق المــراقبين بطــريــقة بيروقراطية وبأعداد محدودة لا تسمح بتغطية مسارح العمليات المتفرقة فى المحافظات والمدن السورية، ومن عناصر أغلبها غير مدرب على مثل هذا العمل الميداني الحساس.
ب‌ - تــواضــع مــســتوى الـترتيبـــــات اللوجيستيكية الخاصة بتجهيز وتوزيع المراقبين وتحركاتهم داخل الأراضى والمدن السورية، وعدم إمدادهم بأي دليل ارشادي.
ت‌ - أدى أسلوب ترشيح واختيار المراقبين عن طريق الحكومات العربية الى تأثر كل منهم بمواقف حكومته، وقد ظهر ذلك فى سرعة انسحاب المراقبين التابعين لجنسيات دول معينة قبل إتمام المهمة وفق توجيهات حكوماتهم.
ث‌ - ورغم أن مهمة البعثة تأتى فى إطار الهدف العام المعلن فى أصل المبادرة العربية وهو "حماية المدنيين" إلا ان عمل البعثة لم يتضمن أية مهام طبية أو علاجية للجرحى والمصابين.
السادسة : تتعلق بموقف الجامعة من جماعات الثوار والمعارضين السياسيين فى كل من ليبيا وسوريا، حيث تبين ان الجامعة لم يكن لديها فى بدايات تعاملها مع المسألتين مصادر معلومات خاصة بها أو مصادر مستقلة تستقى منها البيانات الدقيقة عن التطورات الميدانية وعن الخلفيات التنظيمية والعقائدية لجماعات الثوار والقوى المعارضة فى البلدين واجنداتها ومشروعاتها السياسية البديلة.
السابعة : ان الجامعة لم تقم بعد سقوط النظام فى ليبيا بأية أدوار عملية لمساعدة الشعب الليبي فى اعادة بناء المؤسسات وتأمين الحدود واجراء ما يلزم من مصالحات وطنية، وتركت ذلك كله فى أيدي الخبراء الغربيين. كما يلاحظ عدم كفاية الخطوات العملية التي قامت بها الجامعة لاغاثة اللاجئين وعلاج المصابين السوريين، أو التحضير لاجراءات حصر وتوثيق الخسائر التى تعرضت لها المدن السورية أو الاعداد لخطط اعادة البناء بعد توقف القتال.
وتخلص دراسة السفير خلاف الى عدد من النتائج التى يمكن إجمالها فيما يلى  :
1) مع الاعتراف بوجود أسباب أخرى أدت – ولاتزال تؤدي - الى ضعف فاعلية الجامعة، إلا ان تمسك الدول الاعضاء بمفهوم مطلق وغير ديمقراطي لفكرة "السيادة " ومفهوم جامد وغير واقعي لما يسمى "الشئون الداخلية" قد أسهم بنصيب وافر في تقييد قدرة الجامعة على توظيف المشتركات والمؤهلات العديدة التي تتوافر للدول العربية ، وفى إهدار فرص عديدة لتحقيق التنمية المتكاملة بوتيرة أسرع وتسوية المشكلات السياسية والأمنية.
2) واذا كانت موجات ما يسمى ثورات الربيع العربي قد أثارت شهية المتطلعين الى كسر الكثير من "التابوهات" القديمة فى الحياة العربية – ومنها بعض التابوهات التى ظلت تحكم العمل العربى المشترك لما يزيد على خمسة وستين عاما – فان عملية نقل هذا التثوير الى النظام الاقليمي متعدد الاطراف تحتاج بالضرورة الى تقنين مسبق واتفاق واضح بين كل أطراف النظام حول ما يلزم تعديله من أسس أو مبادئ ، وحول ما يلزم اضافته من قدرات وآليات وتجهيزات تنظيمية ولوجيستيكية تتلاءم مع مراحله وأدواره الجديدة.
3) كان ولا يزال الأحرى بالجامعة العربية ان تشرع فى اجراء مراجعات جماعية وشاملة لأسس وآليات العمل العربى المشترك ، بما فى ذلك الميثاق الأساس للجامعة ، وأن تستهدف تلك المراجعة إدراج المفاهيم الديمقراطية الصحيحة لمبدأ السيادة الوطنية، وتطوير مفهوم "الشئون الداخلية على نحو يأخذ فى الاعتبار انعكاسات الثورة التكنولوجية على معاني المساحات والمسافات والحدود ، والحتميات الاقتصادية ، وحقائق العولمة الانسانية – إن كانت معاني "التضامن العربي" لم تعد واردة.
4) ورغم واعدية وطموح هذه الافكار والمقترحات إلا ان الظروف الراهنة التى يمر بها الكثير من الدول العربية، خاصة في ضوء ظاهرة الثورات المنقوصة، واختلال التوازن بين النظام الاقليمى الجامع والتجمعات الجهوية الفرعية ، فضلا عن مواجهة العديد من الاطراف العربية لمشكلات الهوية الايديولوجية والصراعات الاثنية والمذهبية. كل ذلك قد يدعو الى التريث فى الدفع بهذه المقترحات - على الاقل فى المرحلة الحالية – حفاظا على الحد الأدنى المتبقي من تماسك الجسم العربي.



الأكثــر قــراءة

الأكثـر تعليـــقاً