DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

لماذا سقطت بغداد؟

لماذا سقطت بغداد؟

لماذا سقطت بغداد؟
أخبار متعلقة
 
كيف سقطت حضارة لم تغب عن ممتلكاتها الشمس, وما مطرت سحابة على ارض الا جيء بخراجها الى عاصمتها بغداد؟ كيف انهار كيان الدولة العباسية في عقر دارها بغداد، مدينة النور والاحلام ومهوى القلوب في عصر النهضة الاسلامية وقبلة طلاب العلم والمعرفة؟ هل يمكن لحضارة تحرسها جيوش لم يتح لذي القرنين عددها وأموال لم تجمع الا لسليمان او اقل ان تذهب ادراج الرياح بين ليلة وضحاها؟ وقد عالج الكاتب والمؤرخ والمحقق المصري الكبير احمد امين عوامل سقوط الدولة الاسلامية في بغداد في كتابه المهم (ظهور الاسلام). والعامل الواضح الذي يظهر من قراءة هذا الكتاب والذي ادى الى تآكل اركان الدولة الاسلامية واضعافها هو عامل التعصب والتحجر على الرأي وانسداد باب الانفتاح والحوار والالفة والتعايش. فقد شاع تعصب أهل المذاهب لمذاهبهم حتى ان عالما جليل القدر عظيم الشأن كالطبري, المؤرخ والمفسر والفقيه, لم يسمح لجنازته ان تدفن بل قذفت بالحجارة لخلاف في الرأي وتصريح علمي بدر منه عن صاحب المذهب الآخر فلم يدفن هذا العالم الجليل الا ليلا وسرا. وقد شاع هذا النوع من التعصب البغيض حتى شطر الخارطة السياسية للعالم الاسلامي الى شتات. فدولة تدين بهذا المذهب تعلن الحرب على الاخرى والاخرى تخالفها بتجيش الخلاف والعداوات والبغضاء. واصبح العالم غير آمن على نفسه او دار العالم في منأى عن الامان على مقتناياته. وكم وكم من الفتن شهدتها الرصافة والكرخ بين اصحاب المذاهب اودت بالآلاف من النفوس البريئة كفتنة الحنابلة والاحناف المشهورة التي اودت بأربعة آلاف وهجوم الرعاع على مكتبة المستنصرية وحرقها. ومن العصبيات التي عملت في جسم الدولة الاسلامية عمل النار في الهشيم, عصبية الطبقات الاجتماعية والاصول العرقية والاديان. فأهل الخلافة والسلطة من الوزراء والوجهاء واتباعهم من كتاب الدولة ورؤساء دواوينها وطبقات الاغنياء والوجهاء، يحتقرون طبقات الموظفين واهل الحرف والمهارات والمهن والدهاقين. تزداد وتتأجج نار العصبية اذا ما اضيفت عصبية الاصول العرقية فالانتساب الى قريش لايعلى عليه حتى لو كان من دون خلق ولا دين ولا كفاءة ومن ثم عصبية العرب والعجم والاسلام والذمة والمدينة والارياف والحضر والبدو. وصفحة الادب والتراث الفكري وما شذ من تراثنا الفقهي حافلا بهذه العصبية العمياء وشاهدا على هذا التحجر الاصم الذي سد باب الابداع وختم مصير الدولة الاسلامية بخاتم الجمود والرتابة فتوقف الجسم عن النمو والابداع. فانكفأت الدولة في رحلة التراجع والخمول والتآكل والتحلل وهي في انحدار من شاهق الى سافل تنتظر العامل الخارجي ليطيح بها ويقوض اركانها ولم يطل الزمن حتى مال التتار المغول على ما تبقى من بغداد ليحيلوا نورها ظلمة وبريقها عتمة وعمارها خرابا وسكانها امواتا ودور علمها ومراكز بحثها أطلالا لا أثر لها بعد عين. ولم يكن للمغول ليدمروا عاصمة النور وألف ليلة وليلة الا لتوفر البيئة الملائمة والعوامل المواتية لاضعاف هذا الجسم واهمها وعلى رأسها عامل التعصب والتحجر. وتدور دورة الزمن وتنشط عوامل تآكل الحضارات والدول من جديد مستمدة قوتها وسطوتها وتسارعها من استشراء الأنا وقصر النظر والجهل المركب ومركب اخلاق العظمة. فتعمل عملها في تأجيج نار الفتنة والعصبية السوداء. ولعل ما يزيد في عصرنا هذا في سعة انتشار العصبية واذكائها، استخدام ادوات التقنية الحديثة من الفضائيات والانترنت وخدمة الهاتف المحمول وغيره التي يرجى لو كان لها الدور الفاعل في ترسيخ روح التسامح والانفتاح وقبول الآخر وتربية النشء على لغة الحوار والموضوعية, ومع الاسف اصبحت توظف في احياء النعرات المقبورة وهدر الطاقات وصرف الانظار عن قضايانا المصيرية لاسيما في هذه البرهة الحرجة من تاريخ أمتنا العصيب فتطلع علينا بين الفينة والاخرى صرخة طائفية ونعرة عصبية متخذة من ثياب التقنية الحديثة ثوبا تستر به عورتها البغيضة. ولكن هل هذه العوامل قسرية حتمية الوقوع ام ان ارادتنا فاعلة في حدوثها او انكفائها. ان الحجر الاساس في استشراء هذه العوامل وانحسارها ثقافة الامة وايمانها بتأثير قيمها في اشاعة روح التسامح والتعددية الفكرية والموضوعية. ان مسؤولية رجال العلم والفكر لاسيما المتصدين منهم لشؤون الامة وبالاخص المؤتمنين على تربية نشئها جسيمة وحيوية في ايجاد البيئة الفكرية والعلمية الملائمة للقضاء على الاسباب المثيرة للعصبية خصوصا اعادة النظر في مناهجنا الدراسية التي قد لا تساهم في ايجاد جيل منفتح مسؤول. وقد يقول قائل لماذا كل هذا وعلى ماذا نخشى, فنحن لا نملك ما ملكته بغداد من السطوة والقوة والعلم والمعرفة والثراء. نعم قد لا نملك بغداد - رمز حضارتنا - ولكن ألم يأن الاوان لبناء بغداد من جديد؟
المزيد من المقالات

اكثر قراءة

المزيد