ايران واليابان دولتان خاضتا حربا شرسة تشابهت نهايتاهما بان تجرع قائداها السم مقابل سلامة شعبيهما.
دولتان اضطر قائداها الى ان يلجآ لقرار الاستسلام في مرحلة ما حين شعرا بان هناك ضحايا اكثر مما يتحمله ضميرهما وذلك حفاظا على تلك الارواح, رغم ان وقع هذا القرار عليهما كان كما وصفه الخميني (تجرعت السم) الا انهما ملكا الشجاعة الكافية لاتخاذه.
ومع ذلك هاهي اليابان اليوم تغزو من سقاها السم في عقر داره وتهزمه اقتصاديا في اكثر من موقع, ومخطئ من يقيس موافقة اليابان على القرار الامريكي اليوم بشن حرب على العراق بانه قرار تبعي, بل هي حسبة مصالح يعرفها اليابانيون جيدا, وها هي الدولة الثانية التي تجرع قائدها السم تقف اليوم تتفرج على من سقاها وهو يحطم قطعة قطعة, وهي في ذات الوقت تبني دولتها وتناهض ايضا القوى العظمى في مواقفها, الخلاصة ان ذلك السم وذلك القرار لم يحطا لا من مكانة دولتيهما ولم يمسا كرامة شعبيهما, فمن منا يرى اليوم اليابان كدولة مهزومة؟ من منا يرى اليوم ايران دولة خنوعة منكسرة؟ لا احد.. بل الكل يراهما دولتين قويتين وشعبين يكافحان من اجل المنافسة وهما في الخطوط الامامية وفقا للمقاييس والمعايير التنموية والسياسية, فالخميني او امبراطور اليابان حين تجرعا السم كانا يعرفان ان ذلك القرار لا يزيد عن منعطف تاريخي لا يمكن ان يقضي على حضارة وتاريخ شعب كالشعب الياباني او الشعب الايراني, وانهما قد اجلا بذلك القرار المواجهة الى حين, وغيرا ميدان المعركة فحسب, فما كانت المسالة اكثر من تحكم في التوقيت و في الميدان, وبقي الشعبان كما هما بعزتهما وكرامتهما, ولننظر الى الدولتين اليوم وموقفهما من غريمتيهما, هل هي سخرية القدر؟ ام انها حسابات منطقية ونظرة مستقبلية بعيدة ثبتت صحتها؟
انما خيار الاستسلام من الصعب ان يتبناه قائد عربي خاصة اذا كانت صور النصر عند قادتنا تختلف كثيرا عن صورها عند القيادات الاخرى, فهناك لا يرون في خسائر الارواح وبقاء القيادة اي صورة من صور الربح بل لا يرون في امكانية وجود وطن بلا شعب, فالوطن عند كل شعوب العالم هو معادلة متساوية بين الارواح والارض, فان رأي القائد بان الوطن لن يكون سوى ارض محروقة بلا ارواح حتمت عليه مسئوليته ان يحفظ الوطن حتى لو تجرع السم. انما الصورة معكوسة عندنا, فالشعب باجمعه هو الذي عليه ان يتجرع السم ويبقى القائد حيا يرزق ويعد ذلك لا عند القيادات العربية فحسب بل حتى عند الشعوب العربية انتصارا!! قرارات كهذه تحتاج لعقلانية ولموضوعية عند القيادات وعند الشعوب وتلك عوامل غير متوافرة لا في القيادة العراقية ولا حتى في الاجواء العربية ككل, فهناك معركة تدور عند القيادة العراقية وعند الشارع العربي بين رغبة وواقع قبل ان تدور على ارض العراق, وشتان بين قرارات تبنى على رغبة وقرارات تبنى على معطيات واقعية.
* كاتبة بحرينية