يتوقع الاستاذ محمد الصويغ المشرف على هذه الصفحة - وربما يشاركه هذا التوقع بعض القراء - ان تأتي مقالاتنا هذه الايام متجهمة ساخنة هادرة ومصحوبة بالعجاج، لتناسب الاجواء السائدة الملبدة بالادخنة والغبار والضوضاء. يتوقع منا، كذلك، الا نغرد خارج السرب، فنتناول شأنا لا علاقة له بأحداث الساعة وهمومها، كي لا نكون كمن يبكي في فرح، او يبتسم في جنازة، حيث ان لكل مقام مقالا، كما يقال . وبالرغم من وجاهة اقتراح الاستاذ الصويغ فقد دفعني ذلك الى التساؤل : ترى ماذا يمكن ان يضيفه مقال ما في هذا المجال الى ما تزدحم به وسائل الاعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، وما تضخه الفضائيات والجرائد والمجلات وشبكة الانترنت على مدار الساعة من اخبار وتعليقات وآراء ودراسات وتحليلات ذات صلة بالاحداث الساخنة التي تشهدها المنطقة، ومن مصادر ذات كفاءة عالية كرست جميعها وبكامل طاقاتها لهذا الغرض. لا نريد ، والحال هذه، ان نفسر مالا يحتاج الى تفسير، او ان نشرح ما لا يحتاج الى شرح. كما لا نريد ان نضع انفسنا في الموقف الذي وضع - بضم الواو - فيه الفنان عادل امام في مسرحية (شاهد ما شافش حاجة). عندما سأله رئيس المحكمة : (عاوز تضيف حاجة ثانية؟) فرد قائلا : (أنا أضيف؟! دنا غلبان!) ، لكنه سرعان ما غير رأيه فقال : (أيوه انا عاوز اضيف.. أنا عاوز أقول : هي فوق انها كانت رقاصة .. كانت بترقص!) فيعلق رئيس المحكمة ساخرا : (ما شاء الله.. احنا متشكرين على الاضافة ديه.. رقاصة وبترقص!).
ويمكن للقارئ والمشاهد الفطن ان يلاحظ ان الشهود الذين لم يروا شيئا قد تكاثروا، وان كثيرا من تلك المقالات الجادة الساخنة الهادرة والمصحوبة بالعجاج التي تزدحم بها بعض الصحف والمجلات، ومثلها تلك المداخلات والتحليلات التي تضج بها بعض الفضائيات العربية، هي على شاكلة عبارة سرحان عبد البصير التي لا تضيف شيئا جديدا، اي شبيهة بتلك التي (تفسر الماء بعد الجهد بالماء) ، او تلك التي شبهها الكاتب الساخر جعفر عباس في زاويته المنفرجة التي يكتبها لجريدة الوطن بـ (طق الحنك) . ولا يستثنى من ذلك تحليلات بعض الجنرالات العسكريين المتقاعدين الذين غزوا الشاشات هذه الايام، حيث يقول عنهم : (وتستمع اليهم وتعجب كيف تسنى لهم أصلا مغادرة رتبة ملازم ثان!!). اما زميله الاستاذ صالح الشيحي فيذهب في الحديث عن اولئك الجنرالات المتقاعدين الخارجين من الارشيف الى القول : (فأصبحنا نرى مزجا عجيبا بين العاطفة والتحليل، وخلطا مضحكا بين الانفعال والموضوعية، راح بعضهم يتحدث وفق توجهاته وميوله، وآخر وفق توجهات القناة التي يتحدث من خلالها وميولها، وآخر وفق نوعية الاوراق النقدية المتكدسة في جيبه، وآخر يتحدث وفق انفعالات الشارع). وهي صورة حقيقية لما نقرأه او نشاهده يوميا، كما انها قريبة كل القرب من الصورة التي حاولت رسمها للمفوهين من خطباء الفضائيات في المقال السابق المعنون (عندما ترتدي الهزيمة جلباب الثقافة) ومع ذلك يعتقد اصحاب تلك المقالات والمداخلات والتحليلات انهم قد أتوا بما لم تستطعه الاوائل.
ان (طق الحنك) او الثرثرة موجودة على الورق كذلك، وهي ممثلة في تلك المطولات التي يقترح الشاعر جورج جرداق ان تختصر (للتخفيف عن الاشجار التي يقطعها الانسان بلا رحمة، ويحولها الى ورق يكتب عليه من يشاء، وكيفما يشاء، ومتى يشاء، هكذا بلا سبب ولا أدب!).
اذن ، لا نريد ان نضيف على طريقة سرحان عبد البصير، او على طريقة ذلك الذي سمع قوما يتذاكرون الموت وأهواله فأراد ان يدلي بدلوه كي يبدو مثقفا لا يشق له غبار فقال : (لو لم يكن في الموت إلا أنك لا تقدر أن تتنفس لكفى!). كما لا نريد ان نضيف شيئا على طريقة ذلك الذي سمع قائلا يقول : ما أحسن القمر! فعلق قائلا : (أي والله خاصة في الليل!). هكذا يتمخض الجبل فيلد فأرا.
وتأتي الاضافة اجترارا او شكلا من اشكال التلوث الضوضائي الذي يساهم في اتساع ثقب الأوزون الثقافي.
كنت اتابع قبل ايام لقاء تبثه فضائية اجنبية مع خبير عسكري من ثقافة اخرى، فوجدته لايتحرج من تكرار عبارة (لا أدري) عندما لا تتوافر لديه المعلومات الكافية التي تؤهله للادلاء برأي. لكن عبارة (لا أدري) في ذلك السياق لاتترك لدى المشاهد انطباعا بجهل المتكلم في مجال تخصصه، بقدر ما توحي بالتزامه جانب الصدق والامانة وخدمة الحقيقة، فالكلمة مسؤولية كبيرة عند من يحترم هذه المسؤولية. لكن الخبراء المتقاعدين الخارجين من الارشيف لا يجيدون استخدام تلك العبارة، فلديهم احاطة بكل شيء، وجواب قاطع مانع لكل سؤال، وقراءة واثقة لكل مشهد من مشاهد الاحداث. مع انه لم تصدق قراءة واحدة من تلك القراءات التي اتحفونا بها على مدى ثلاثة عقود ماضية.
وغير بعيد عن هذا الخبير الخطير النحرير ذلك المراسل الصحفي الذي ينسى ان عليه (فقط) ان ينقل الوقائع والاحداث كما يراها، لا كما يتمناها . وان يعطي صورة صادقة للمشاهد الذي يبحث عن المادة الخبرية الخالية من شوائب الاهواء والميول، وترسبات الرغبات والمواقف والاتجاهات. وان يترك ذلك كله لمنتدياته الخاصة البعيدة عن الكاميرات والميكرفونات. لكنه، ما ان يستولي على الميكرفون حتى يلقي خطبة ساخنة هادرة ومصحوبة بالعجاج.. خطبة مشحونة بالتمنيات والانفعالات والعواطف الملتهبة، بدلا من ان ينقل للمشاهدين تقريرا اخباريا صرفا. ربما تتساءل وقد استبد بك العجب قائلا : أترانا نصغي الى مراسل صحفي يقرأ تقريرا اخباريا، أم الى خطيب مفوه نحرير، يتملق الجماهير، ويعدهم بحليب العصافير ؟ واذا كان هذا الذي يملأ الشاشة طولا وعرضا مراسلا صحفيا، فأين ولت الثقافة الاعلامية؟ وكيف غابت ابجديات المهنة ومبادئها البسيطة؟