لنقرأ ما يلي:
مد كفيه بعلبة كرتون كبيرة
- تفضلي. اكل امريكاني معتبر
سلمتها الشمعة, وتسلمت العلبة. اطلت برأسها بعد ان اطمأنت انه احد رفاق المحنة وسألته.
- من اين حصلت عليه؟
التمعت اسنانه وفاحت رائحة تعبه:
- يوزعونه. مشروع اغاثة. ترقرق صوته. الجنود الامريكان تبرعوا بطعامهم؟
انحدر من الدرجات مسرعا. اغلقت الباب وصوتها:
- لدينا اليوم وليمة.
فتحنا الصندوق المنظم. اكياس صغيرة. سنحتاج فقط ان نسقطها في الماء الحار.
بدأت تقرأ:
شاي, قهوة, خبز, كاتوه, جبن, مكرونة, مرتديلا, وهذا.. لحم خنزير وقذفته نحو كيس القمامة.
نهرتها:
- هاتيه
بقرف شديد.
- لحم خنزير.
حذرتها:
- لا تعلني هذا امام الصغيرات. خنزير, فئران, سنطمعهم ونسد جوعهم.
اعترضت:
- لحم محرم, لن اكل.
- انت حرة.
الا تشبه الاحداث التي في الاعلى ما حدث ويحدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في التاسع من ابريل لهذه السنة, لكنها في الحقيقة قطعة مجتزأة من الصفحة (105) من الطبعة الثانية لمجموعة ليلى العثمان (الحواجز السوداء) في قصة (مايزال الحداد قائما). والمجموعة طبعت سنة 1994م لاحداث وقعت قبل الكتابة بثلاث سنوات اثناء تحرير الكويت من الغزو العراقي اي ان الفارق بين الحدثين العربيين العراقي والكويتي (12) سنة تقريبا.
وان كانت (ليلى العثمان) قد ساعدتنا على ان نشاهد ما لم نستطع مشاهدته في الحرب الاولى فان القنوات الفضائية العربية, التي تطورت بشكل مذهل منذ ذلك الوقت, قد قامت بمهمة تزويدنا لحظة بلحظة, في الحرب الثانية, بما يشبه الصورة الاولى من العوز والحاجة وبما يعانيه شعب العراق المنهك, كما ورد على لسان احد افراد الشعب حينها في لقطة قصيرة من سيل النقل الحي المنهمر لمأساة ذلك الشعب المنكوب. شاهدنا طوابير الناس تصطف للحصول على المياه الصالحة للشرب, والاغذية وغيرها وشاهدنا الاطفال وهم يتناولون الحلوى من ايدي جنود التحالف الانجلو امريكي. والمواطنين وهم يرفعون شارات النصر.
وقصة (مايزال الحداد قائما) في مجملها تحكي الصدمة التي تلقتها, بسبب الغزو العراقي, البطلة ذات الانتماء القومي العربي اللاحزبي كمعظم الطبقة المثقفة في دول الخليج حتى اوائل التسعينيات. في ص 108 (شقت الكلمة لحم عروبتي التي اعتززت بها) ثم وهي تتذكر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر:
(منذ ان فارقتنا ونحن بين النار والعار) ص 113
ثم تواصل الطعنة ايغالا والصدمة شدة حين يأتي الخلاص على يد العدو المفترض, للبطلة ولبطقتها, الغرب الامبريالي وبالاخص امريكا.
ليس سرا ما دار ويدور في اروقة المثقفين العرب, بعيد سقوط نظام صدام, من جدل وقبول نسبي بفكرة التدخل الخارجي لحل المأزق الداخلي, لعل وعسى ان تنهض المنطقة من كبوتها. فمشروع (كولن باول) الديمقراطي للمنطقة, ووعود الادارة الامريكية ان تجعل من العراق دولة نموذجية تحتذى لاشك انها تدغدغ احلام البعض.
لقد تم على مدى اربعة عقود مضت, على مسرح الوطن العربي, تبادل الادوار, اصبح القائد المحرر من الاستعمار, في الخمسينيات والستينيات, دكتاتورا عتيدا يسحق كل من يقف في طريق استبداده. واخذ المستعمر الامبريالي دور المخلص والمنقذ. في اكثر من حالة. لم تكن الكويت اولها ولن تكون العراق آخرها.
لقد تهيئنا على مدى تلك العقود على ان نتقبل فكرة الخلاص على يد الغير فالانسحاق كان عظيما ومؤلما ووحشيا. لقد سبقتننا صاحبتنا (البطلة) في قبول الفكرة المؤلمة, فبينما كانت الحقيقة بقسوتها تتجلى امام ناظريها كنا نحن نطالبها بالصبر وبالحل العربي الذي ادركت انه لن يأتي بل سيدخلها في كواليس لجان الجامعة العربية.
على لسان ابنتها التي رفضت اكل لحم الخنزير تقول:
(ظللت تقولين العرب, العرب, وصار الاجانب احن علينا منهم طز في العروبة) ص 112 كلام قاس أليس كذلك؟ لكنه كان اشد وطأة قبل غزو الكويت وكان اشد واشد وطأة قبل غزو لبنان.
لقد اعتمدت بطلتنا, ضمنيا, على القاعدة الشرعية (عند الضرورات تباح المحظورات) في كلا الحالتين اكل لحم الخنزير والخلاص من الظلم, او أليس الاصلاح والعدل والتطور ضرورات بشرية؟
ومأزق البطلة/ مأزقنا, كشعب عربي, يستمر في القصة فهي امرأة واعية كما اننا واعون كما تقول في صفحة 107 عن المستعمرين.
(انهم اسياد العالم يمتصون دماءه ويصدرونها ثانية بشكل اغاثات واعانات)
لكنها لا تجد / لاتجد من ينقذ اطفالها/ مستقبلنا سواهم!!
استحضروا معي صورة ذلك الغريق المتخبط الذي مع كل قطرة ماء تتسرب الى جوفه تقل كمية الهواء في تجويف رئته, اي تقربه الى الهلاك هل يقنعه المنطق بان تلك القشة الطافية حوله غير قادرة على اسعافه؟
بمنطق الحدث في القصة (اكل لحم الخنزير), فان ما سيقدمه الغرب من حلول لمأساتنا ان لم يكن حلا ناجعا هو قطعا اقل قسوة مما آلت اليه ظروفنا. وقد نجدنا, حتى لانموت نستهلك, على مضض اطروحاته عن الديمقراطية وحقوق الانسان. تماما مثلما اخذت الاخوات الصغار في علك لحم الخنزير عوضا عن الموت جوعا.